🇸🇦هل يجعل استهلاك الكهرباء الأصل أكثر قيمة؟ ولماذا أرى أن العملات المشفرة أقرب إلى المضاربة منها إلى الاستثمار التقليدي؟

6 دقائق

Read Time

Crypto

مقدمة

خلال السنوات الأخيرة أصبحت العملات المشفرة، وعلى رأسها البيتكوين، من أكثر المواضيع إثارة للجدل في عالم المال والتكنولوجيا. فهناك من يراها ثورة مالية ستغير النظام الاقتصادي العالمي، وهناك من يراها فئة أصول شديدة المخاطر تعتمد قيمتها إلى حد كبير على المضاربة وتوقعات المستثمرين.

لا أهدف في هذا المقال إلى مهاجمة التكنولوجيا أو إنكار أهمية الابتكار التقني. على العكس تمامًا، فأنا أرى أن التشفير والبلوكتشين من الإنجازات التقنية المهمة. لكنني أعتقد أن كثيرًا من النقاش الدائر حول العملات المشفرة يخلط بين التكنولوجيا من جهة والقيمة الاقتصادية من جهة أخرى.

ومن وجهة نظري، فإن استهلاك كميات هائلة من الكهرباء عبر خوارزمية مثل SHA-256 لا يحول أصلًا رقميًا تلقائيًا إلى مخزن آمن للقيمة، تمامًا كما أن ارتفاع تكلفة إنتاج شيء ما لا يضمن أن السوق سيمنحه قيمة مرتفعة.


الفرق بين التكلفة والقيمة

أحد أكثر المفاهيم التي يساء فهمها في عالم العملات المشفرة هو الاعتقاد بأن استهلاك الطاقة يخلق قيمة اقتصادية بحد ذاته.

لنفترض أنني كتبت جملة على ورقة.

إذا مررت هذه الجملة عبر خوارزمية SHA-256 مرة واحدة، فلن تصبح أكثر قيمة.

وإذا كررت العملية مليون مرة، فلن تصبح أكثر قيمة أيضًا.

وإذا كررتها مليار مرة، فلن تتحول الجملة إلى أصل اقتصادي منتج أو إلى ثروة حقيقية.

الشيء الوحيد الذي سيزداد هو كمية الطاقة والقدرة الحاسوبية التي تم استهلاكها أثناء العملية.

من وجهة نظري، هذا المثال يوضح مشكلة جوهرية في الطريقة التي ينظر بها البعض إلى تعدين البيتكوين.

فالاستهلاك الكبير للكهرباء لا يعني بالضرورة خلق قيمة اقتصادية حقيقية، بل يعني أن هناك تكلفة مرتفعة تم دفعها لتنفيذ عملية معينة.

وفي الاقتصاد، هناك فرق كبير بين أن يكون الشيء مكلفًا وبين أن يكون ذا قيمة.


ماذا يفعل المعدنون فعليًا؟

عندما يتحدث الناس عن التعدين، قد يتخيل البعض أن الأمر يشبه استخراج الذهب أو الموارد الطبيعية من باطن الأرض.

لكن التعدين في البيتكوين مختلف تمامًا.

فالمعدنون لا ينتجون سلعة جديدة، ولا يقدمون خدمة اقتصادية بالمعنى التقليدي، بل يتنافسون لحل مسألة رياضية تعتمد على إعادة حساب قيم SHA-256 بشكل متكرر للغاية.

يقوم المعدن بتجميع المعاملات، وإنشاء كتلة جديدة، ثم تجربة مليارات الاحتمالات المختلفة حتى يعثر على قيمة تحقق شروط الشبكة.

هذا النظام يؤدي وظيفة مهمة تتمثل في حماية البلوكتشين وجعل التلاعب به أكثر صعوبة.

لكن من وجهة نظري، يجب التمييز بين توفير الأمان لشبكة رقمية وبين خلق قيمة اقتصادية حقيقية.

فالشبكة تزداد أمانًا، نعم.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأصل الناتج أصبح مدعومًا بأصول أو إنتاج أو تدفقات نقدية يمكن قياسها.


هل الكهرباء تشكل ضمانًا للسعر؟

أحد أكثر الحجج انتشارًا بين مؤيدي العملات المشفرة هو أن استهلاك الطاقة الضخم يمنح العملة قيمة جوهرية.

أنا لا أوافق على هذا الاستنتاج.

فالطاقة التي استُهلكت في الأمس انتهى استهلاكها بالفعل.

ولا يستطيع حامل البيتكوين استرداد تلك الكهرباء أو المطالبة بها أو تحويلها إلى أصل ملموس.

وبعبارة أخرى، فإن الكهرباء المستخدمة في التعدين ليست مخزونًا محفوظًا داخل العملة.

إنها تكلفة تشغيلية تم دفعها وانتهت.

ولو كان استهلاك الطاقة وحده يضمن القيمة، لكانت كل المشاريع مرتفعة التكاليف ناجحة ومربحة، وهو أمر لا يحدث في الواقع.

السوق لا يسأل كم استهلكت من الكهرباء.

السوق يسأل فقط: كم يوجد من المشترين؟ وكم يوجد من البائعين؟


ما الذي يحدد سعر العملات المشفرة؟

في رأيي، يعتمد سعر معظم العملات المشفرة بشكل أساسي على العرض والطلب وثقة المشاركين في السوق.

فعندما يزداد عدد المشترين ترتفع الأسعار.

وعندما تضعف الثقة أو يقل الطلب تنخفض الأسعار.

ولا يوجد في معظم الحالات:

  • أرباح موزعة يمكن حسابها.
  • أصول إنتاجية يمكن تقييمها.
  • التزامات قانونية يمكن الرجوع إليها.
  • ضمانات حكومية تدعم السعر.

ولهذا السبب نرى ارتفاعات وانخفاضات حادة قد تتجاوز ما تشهده معظم فئات الأصول التقليدية.

وقد يحقق بعض المستثمرين أرباحًا كبيرة خلال فترات الصعود.

لكن آخرين قد يخسرون نسبة كبيرة من رؤوس أموالهم خلال فترات الهبوط.

وهذا ما يجعلني أعتبر أن جزءًا كبيرًا من سوق العملات المشفرة يعتمد على التوقعات والمضاربة أكثر من اعتماده على أسس اقتصادية تقليدية.


بين الاستثمار والمضاربة

عندما يشتري شخص سهمًا في شركة، فإنه يمتلك جزءًا من نشاط اقتصادي حقيقي.

وعندما يشتري سندًا حكوميًا، فإنه يمتلك حقًا ماليًا على الجهة المصدرة.

وعندما يشتري عقارًا، فإنه يمتلك أصلًا ماديًا يمكن استخدامه أو تأجيره.

أما في كثير من حالات شراء العملات المشفرة، فإن الرهان الأساسي يكون على أن شخصًا آخر سيدفع سعرًا أعلى في المستقبل.

وقد ينجح هذا الرهان بالفعل.

لكن من المهم الاعتراف بأنه يبقى رهانًا.

ولهذا أرى أن العديد من عمليات شراء العملات المشفرة اليوم أقرب إلى المضاربة عالية المخاطر منها إلى مفهوم الاستثمار التقليدي أو الادخار طويل الأجل.

فكما يمكن أن تحقق أرباحًا استثنائية، يمكن أن تؤدي أيضًا إلى خسائر استثنائية.


لماذا تختلف السعودية عن بعض الدول الأخرى؟

من المهم أيضًا النظر إلى الظروف الاقتصادية المحيطة.

ففي بعض الدول التي عانت من التضخم المفرط أو انهيار العملات المحلية أو الأزمات المصرفية المتكررة، يمكن فهم سبب بحث بعض المواطنين عن بدائل خارج النظام المالي التقليدي.

لكنني أرى أن وضع المملكة العربية السعودية مختلف بشكل جوهري.

فالمملكة تتمتع باقتصاد قوي، وقطاع مصرفي منظم، ومؤسسات مالية مستقرة، وإطار رقابي متطور مقارنة بالعديد من الأسواق الأخرى.

ولهذا السبب لا أعتقد أن غالبية المستثمرين السعوديين يتجهون إلى العملات المشفرة هربًا من أزمة مصرفية أو خوفًا من انهيار مالي.

في معظم الحالات، يبدو الدافع الرئيسي هو السعي وراء فرص تحقيق أرباح مرتفعة من تقلبات الأسعار.

وهذا حق مشروع لكل مستثمر، لكنه يعني أيضًا أن القرار يجب أن يُفهم على حقيقته باعتباره قبولًا لمستوى مرتفع من المخاطر.


التقنية مهمة… لكن ذلك لا يجعل كل رمز استثمارًا جيدًا

أعتقد أن من الضروري الفصل بين الإعجاب بالتكنولوجيا وتقييم الاستثمار.

فالبلوكتشين تقنية مثيرة للاهتمام.

والتشفير عنصر أساسي في الأمن السيبراني الحديث.

وخوارزميات الهاش مثل SHA-256 تؤدي وظائف مهمة للغاية في العديد من التطبيقات الرقمية.

لكن وجود تقنية قوية لا يعني تلقائيًا أن كل أصل مبني عليها يمتلك قيمة استثمارية مستدامة.

فالتكنولوجيا شيء.

والاستثمار شيء آخر.

والخلط بينهما قد يؤدي إلى قرارات مالية غير مدروسة.


الخلاصة

من وجهة نظري، فإن إعادة تمرير البيانات عبر SHA-256 مليارات المرات لا تجعل الأصل الناتج أكثر قيمة اقتصاديًا، تمامًا كما أن تكرار تشفير جملة مكتوبة لا يحولها إلى ثروة.

إن تعدين البيتكوين يستهلك موارد حقيقية ويوفر مستوى من الأمان للشبكة، لكنه لا يقدم بحد ذاته ضمانًا لسعر العملة أو لقيمتها المستقبلية.

وفي النهاية، تبقى قيمة العملات المشفرة مرتبطة بما يرغب الآخرون في دفعه مقابلها في السوق.

ولهذا أرى أن التعامل معها يجب أن يكون بوعي كامل بأنها أصول شديدة التقلب، قادرة على تحقيق أرباح كبيرة، لكنها قادرة أيضًا على التسبب بخسائر كبيرة.

أما بالنسبة للمستثمر السعودي الذي يعمل ضمن اقتصاد مستقر ونظام مالي قوي، فإن العملات المشفرة تبدو لي أقرب إلى أداة للمضاربة عالية المخاطر منها إلى وسيلة ادخار أو بديل ضروري للنظام المالي التقليدي.


تنويه

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي فقط، ولا يشكل نصيحة استثمارية أو مالية أو قانونية. الاستثمار في العملات المشفرة ينطوي على مخاطر مرتفعة وقد يؤدي إلى خسارة جزء أو كامل رأس المال. يجب على كل مستثمر إجراء أبحاثه الخاصة واستشارة المختصين قبل اتخاذ أي قرار مالي.

 

رأي – بقلم: Max Gecse

About SaudiBrief

سريع. واضح. موثوق.

SaudiBrief منصة إعلامية مستقلة تقدم أخباراً وتحليلات موثوقة حول المملكة العربية السعودية، مع التركيز على الدقة والمصداقية والالتزام بأعلى المعايير المهنية.

نسعى إلى تقديم محتوى سريع وواضح يساعد القراء على فهم التطورات الاقتصادية والتقنية والاستثمارية والاجتماعية في المملكة، مع احترام القيم والثقافة المحلية، ودون أي ارتباط أو تمثيل رسمي لأي جهة حكومية.

بحث